العيني
112
عمدة القاري
في بيت مليكة كانت للفرض ، أَلاَ ترى أن في رواية مسلم : ( قوموا فلأصلي لكم ) ، في غير وقت صلاة ، فصلى بنا فإن قلت : قد جاء في رواية أخرى لمسلم : ( فربما تحضر الصلاة وهو في بيتنا ) . قلت : الجواب ما ذكرناه الآن ، ومع هذا كره أصحابنا وجماعة آخرون التنفل بالجماعة في غير رمضان . وقال ابن حبيب ، عن مالك : لا بأس أن يفعله الناس اليوم في الخاصة من غير أن يكون مشتهراً ، مخافة أن يظنها الجهال من الفرائض . وفيه : أن الأفضل أن تكون النوافل في البيت لأن المساجد تبنى لأداء الفرائض . وفيه : الصلاة في دار الداعي وتبركه بها ، وقال بعضهم : ولعله أراد تعليم أفعال الصلاة مشاهدة مع تبركهم ، فإن المرأة قلما تشاهد أفعاله في المسجد ، فأراد أن تشاهدها وتتعلمها وتعلمها غيرها . وفيه : تنظيف مكان المصلي من الأوساخ ، ومثله التنظيف من الكناسات والزبالات . وفيه : قيام الطفل مع الرجال في صف واحد . وفيه : تأخر النساء عن الرجال . ويستنبط منه أن إمامة المرأة للرجال لا تصح لأنه إذا كان مقامها متأخراً عن مرتبة الصبي فبالأولى أن لا تتقدمهم ، وهو قول الجمهور ، خلافاً للطبري وأبي ثور ، في إجازتهما إمامة النساء مطلقاً ، وحكى عنهما أيضاً إجازة ذلك في التراويح إذا لم يوجد قارىء غيرها . وفيه : أن الأفضل في نوافل النهار أن تكون ركعتين ، وقال بعضهم : وفيه : الاقتصار في نافلة النهار على ركعتين ، خلافاً لمن اشترط أربعاً . قلت : إن كان مراده أبا حنيفة ، فليس كذلك ، لأنه لم يشترط ذلك ، بل قال الأربع أفضل سواء كان في الليل أو في النهار . وفيه : صحة صلاة الصبي المميز . وقال النووي : احتج بقوله : من طول ما لبس أصحاب مالك في المسألة المشهورة بالخلاف ، وهي إذا حلف لا يلبس ثوباً ففرشه فعندهم يحنث ، وأجاب أصحابنا : بأن لبس كل شيء بحسبه ، فحملنا اللبس في الحديث على الافتراش للقرينة ، ولأنه المفهوم منه ، بخلاف من حلف لا يلبس ثوباً ، فإن أهل العرف لا يفهمون من لبسه الافتراش . انتهى . قلت : ليس معنى اللبس في الحديث الافتراش ، وإنما معناه التمتع ، كما قال صاحب ( اللغة ) يقال : لبست امرأة أي تمتعت بها زماناً طويلاً ، وليس هو من : اللبس ، الذي من : لبست الثياب ، وقد ذكرناه عن قريب . وفيه : الصلاة على الحصير وسائر ما تنبته الأرض ، وهو إجماع إلاَّ من شذ بحديث أنه لم يصلِّ عليه ، وهو لا يصح قلت : كذا ذكره صاحب ( التلويح ) وأراد بقوله : لا يصح ، الحديث الذي رواه ابن أبي شيبة من حديث يزيد بن المقادم عن أبيه شريح بن هانىء : ( أنه سأل عائشة رضي ا تعالى عنها ، أكان النبي يصلي على الحصير ؟ وا تعالى يقول : * ( وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً ) * ( الإسراء : 8 ) فقالت : لا لم يكن يصلي على الحصير ) وقالوا : هذا غير صحيح لضعف يزيد بن المقدام ، ولهذا بوب البخاري باب الصلاة على الحصير ، فإن هذا الحديث لم يثبت عنده ، أورده لمعارضة ما هو أقوى منه ، والذي شذ فيه هو عمر بن عبد العزيز فإنه كان يسجد على التراب ، ولكن يحمل فعله هذا على التواضع . وفيه : أن الأصل في الحصير ونحوه الطهارة ، ولكن النضح فيه إنما كان لأجل التليين أو لإزالة الوسخ ، كما ذكرنا . وقال القاضي عياض : الأظهر أنه كان للشك في نجاسته . قلنا : هذا على مذهبه في أن النجاسة المشكوك فيها تطهر بنضحها من غير غسل ، وعندنا الطهارة لا تحصل إلاَّ بالغسل . وفيه : أن الاثنين يكونان صفاً وراء الإمام ، وهو مذهب العلماء كافة إلاَّ ابن مسعود ، فإنه قال : يكون الإمام بينهما . وفي ( التوضيح ) : وبه قال أبو حنيفة والكوفيون . قلت : مذهب أبي حنيفة ليس كذلك ، بل مذهبه أنه إذا أم اثنين يتقدم عليهما ، وبه قال محمد ، واحتجا في ذلك بهذا الحديث المذكور في الباب ، نعم ، عن أبي يوسف رواية أنه يتوسطهما . قال صاحب ( الهداية ) : ونقل ذلك عن ابن مسعود . قلت : هذا موقوف عليه ، وقد رواه مسلم من ثلاث طرق ولم يرفعه في الأوليين ، ورفعه إلى النبي في الثالثة . وقال ؛ هكذا فعل رسول ا . وقال أبو عمر : هذا الحديث لا يصح رفعه ، وأما فعله هو فإنما كان لضيق المسجد ، رواه الطحاوي في ( شرح الآثار ) بسند عن ابن سيرين أنه قال : لا أرى ابن مسعود فعل ذلك إلاَّ لضيق المسجد ، أو لعذر آخر ، لا على أنه السنة . وفيه : أن المنفرد خلف الصف تصح صلاته بدليل وقوف العجوز في الأخير ، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي ومالك ، وقال أحمد وأصحاب الحديث : لا يصح لقوله : ( لا صلاة للمنفرد خلف الصف ) . قلنا ؛ أريد به نفي الكمال . وفيه : أن السلام ليس بواجب في الخروج من الصلاة ، لقوله ؛ ثم انصرف ، ولم يذكر سلاماً . فإن قلت : المراد منه الانصراف من البيت الذي فيه . قلت : ظاهره الانصراف من الصلاة ، وإن كان يحتمل الانصراف من البيت ، وبهذا الاحتمال لا تقوم الحجة . 12